حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
140
التمييز
سرّه أنه قال : قيل لي : يا إبراهيم كن عبدا فكنت عبدا ، فاسترحت . وان أجلّ مقام فيه العبد ، مقام العبودية ، والدليل على أن العبودية أشرف قوله سبحانه وتعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ « 1 » فما وصفه في تلك الحالة الجليلة إلّا بأشرف وصف للمقامات ، وسرّ العبودية وحقيقتها ترك الاختيار والتسليم إلى قدرة الجبّار ، شعر ( مجزوء الخفيف ) خير اعمالك الرضا بالمقادير والقضا [ 54 أ ] بين ما المرء ناطق قيل قد كان وانقضا وقال أبو يزيد البسطامي « 2 » : لو تمنّى أهل النهى من أولي الألباب الذين كشف اللّه عن قلوبهم الحجاب نهاية الأماني فكوّنت لهم أمانيهم على ما تمنّوا لكان رضاهم عن اللّه في تدبيره ومعرفتهم بحسن تقديره خيرا لهم من كون أمانيهم ، وأفضل عند اللّه من قبل ان أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ « 3 » ، والعبد جاهل عاجز لا يقدر على شيء وإنّما يحتاجون إلى معرفة بالحكمة وتدبّر بالحكم ومشاهدة بالقدرة ، وإلى بصيرة ويقين بالرّحمة والنّعمة يقع في القلب تسكين ، ولا يختلف هذا الذي ذكرناه عند الموقنين اليوم بعد كشف حجاب العقل وسقوط سلطان النفس وسيطّلع العموم على هذا عند كشف الغطا ونفاد الاستبطاء . الحجب كثيفة والمعاني لطيفة وإلّا لرأيت كل ذات مسبّحة في جنسها ناطقة في نفسها ، وقد أطلع اللّه على ذلك العلماء به في دار الدّنيا ، وخلّق أهل المعرفة بأخلاقه فليس يكشفون من سرّه إلّا بقدر ما كشف ، ولا يعرفون من وصفه [ 54 ب ] إلّا من حيث عرّف ، فهموا قوله تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ « 4 »
--> ( 1 ) سورة الإسراء : آية ( 1 ) . ( 2 ) ساقطة في نور عثمانية 3753 وأسعد أفندي وأبو يزيد البسطامي هو أبو طيفور ابن عيسى البسطامي ( ت 261 ه / 875 م ) زاهد شهير ، له اخبار كثيرة ، ينسب إلى بسطام ، بلدة بين خراسان والعراق ، كان يقول بوحدة الوجود ، وعرف أتباعه بالطيفورية أو البسطامية ؛ طبقات الصوفية 67 - 74 ؛ وفيات الأعيان 2 / 531 ؛ ميزان الاعتدال 2 / 346 - 347 ؛ حلية الأولياء 10 / 33 - 42 . ( 3 ) سورة التين : آية ( 8 ) . ( 4 ) سورة الحجر : آية ( 21 ) .